لماذا لا تبدأ الأزمات يوم الانهيار… ولماذا قد يرى مجلس الإدارة إشارات الخطر ثم لا يفعل شيئاً؟
في معظم الانهيارات المؤسسية الكبرى، هناك لحظة أخيرة تجذب الأنظار.
إعلان إفلاس. انهيار سهم. استقالة رئيس تنفيذي. تحقيق حكومي. خسارة بمليارات. أو خبر عاجل يجعل الجميع يسأل:
كيف حدث هذا؟
لكن هذا السؤال يأتي متأخراً.
الأزمة لا تبدأ في اليوم الذي تنهار فيه المؤسسة.
غالباً تبدأ قبل ذلك بأشهر أو سنوات، عندما تظهر معلومة غير مريحة في تقرير، أو استثناء صغير في سياسة، أو عقد يحقق أرباحاً «أفضل مما ينبغي»، أو مدير لا يحب الأسئلة، أو لجنة تستمع إلى تفسير غير مقنع ثم تنتقل إلى البند التالي في جدول الأعمال.
الانهيار لحظة.
أما فشل الحوكمة فعملية تراكمية.
وهذا هو السبب الذي يجعل دراسة انهيار الشركات الكبرى مفيدة حتى لمن يدير مؤسسة مستقرة اليوم: نحن لا ندرس Enron وWorldCom والأزمة المالية وCarillion لكي نتفرج على أخطاء الماضي؛ بل لكي نتعلم كيف تبدو إشارات الخطر قبل أن يعرف الجميع أنها إشارات خطر.
هناك سؤال واحد سيقود هذا المقال كله:
ماذا كان مجلس الإدارة يعرف، وماذا كان ينبغي أن يسأل، وماذا فعل عندما وصلته المعلومة؟
ليست المشكلة دائماً في غياب المعلومات
هناك تفسير مريح جداً بعد كل أزمة:
«المجلس لم يكن يعرف.»
أحياناً يكون هذا صحيحاً.
الإدارة قد تخفي المعلومات. المحاسبة قد تُزوّر. التقارير قد تُصمم لإخفاء المشكلة. وقد يكون أعضاء المجلس ضحية خداع حقيقي.
لكن هذه ليست القصة كاملة.
أحياناً يكون الفشل أكثر إزعاجاً:
المعلومة كانت موجودة.
لكنها ظهرت:
- داخل عرض من خمسين صفحة.
- في ملاحظة جانبية.
- في اجتماع لجنة لا يحضره الجميع.
- في تحذير لم يُرفع بما يكفي.
- في رقم غريب جرى تفسيره بسرعة.
- أو في سؤال لم يتبعه سؤال ثانٍ.
وهنا يظهر الفارق بين مجلس يتلقى المعلومات ومجلس يمارس الحكم.
فوظيفة المجلس ليست أن يصبح إدارة تنفيذية ثانية، ولا أن يعيد تنفيذ عمل المدقق أو مدير المخاطر.
لكن وظيفته أن يعرف:
متى لا تكفي الإجابة الأولى.
إنرون: المجلس الذي كانت أمامه إشارات أكثر مما نتخيل
في ديسمبر 2001 أعلنت Enron إفلاسها. وكانت في ذلك الوقت من أكبر الشركات العامة في الولايات المتحدة.
لكن تقرير لجنة التحقيق الدائمة في مجلس الشيوخ الأمريكي يكشف شيئاً أكثر أهمية من قصة الاحتيال نفسها.
التحقيق، الذي اعتمد على أكثر من مليون صفحة من الوثائق ومقابلات مع أعضاء المجلس، خلص إلى أن مجلس Enron ساهم في الانهيار عبر السماح بممارسات محاسبية عالية المخاطر، وتعارضات مصالح، وأنشطة كبيرة خارج الميزانية، وتعويضات تنفيذية مفرطة. (GovInfo)
الأكثر إثارة للانتباه أن التقرير رفض ضمنياً الرواية المريحة القائلة إن كل شيء خُفي عن المجلس.
فقد وجد أن كثيراً مما كان خاطئاً كان معروفاً للمجلس أو تمت الموافقة عليه من قبله؛ وأن أعضاء المجلس اعتمدوا بدرجة كبيرة على ما تقوله الإدارة والمدقق الخارجي مع جهد محدود للتحقق المستقل. (GovInfo)
وهنا يبدأ درس Enron الحقيقي.
المشكلة لم تكن أن الشركة بلا حوكمة
كان لديها مجلس إدارة.
ولجان.
ومدقق خارجي.
وسياسات.
وأعضاء ذوو خبرات كبيرة.
أي أن العناصر التي نبحث عنها عادة في Checklist الحوكمة كانت موجودة.
لكن السؤال الأهم ليس:
هل لديك لجنة تدقيق؟
السؤال هو:
ماذا تفعل لجنة التدقيق عندما يخبرها المدقق أن الممارسات المحاسبية عالية المخاطر؟
ليس:
هل لديك سياسة لتعارض المصالح؟
بل:
ماذا يحدث عندما يطلب أحد أقوى التنفيذيين استثناءً من هذه السياسة؟
وهنا كانت إحدى أكثر لحظات Enron دلالة.
وافق المجلس على ترتيبات سمحت للمدير المالي Andrew Fastow بإدارة كيانات كانت تتعامل تجارياً مع Enron نفسها، رغم التعارض الواضح في المصالح. ووجد تحقيق مجلس الشيوخ أن المجلس وافق على استثناءات من مدونة السلوك مع نقاش واستقصاء مستقل محدودين. (GovInfo)
في الحوكمة، الاستثناء ليس بالضرورة خطأ.
لكن:
كلما كان الاستثناء يمس قاعدة وُضعت أصلاً لحماية المؤسسة من تعارض المصالح، يجب أن يرتفع مستوى الشك، لا أن ينخفض.
أكثر من اثنتي عشرة إشارة… ومع ذلك استمر القطار
ربما يكون الجزء الأكثر قيمة في تقرير Enron هو الملحق الذي جمع Red Flags Known to the Board.
لم تكن هناك إشارة واحدة.
كانت هناك سلسلة.
وافق المجلس على معاملات معقدة. تلقى معلومات عن ممارسات محاسبية عالية المخاطر. شاهد توسعاً كبيراً في الأنشطة خارج الميزانية. وصلته بيانات عن تدهور بعض الأصول. بدأ سعر السهم في الهبوط. نُشرت أسئلة علنية حول شفافية الأرباح. استقال Jeffrey Skilling بصورة مفاجئة. ووجهت Sherron Watkins تحذيراً بشأن قضايا المحاسبة والتقييم. (GovInfo)
تقرير مجلس الشيوخ يلخص المشكلة بعبارة عملية مهمة: كانت هناك إشارات كان ينبغي أن تدفع المجلس إلى طرح أسئلة صعبة، ومراجعة السياسات، والنظر في تغيير المسار، لكنها لم تُلتقط بالقدر المطلوب. (GovInfo)
هذه نقطة حاسمة.
الإشارة لا تحمي المؤسسة
وجود Red Flag في تقرير لا يعني أن نظام الحوكمة نجح.
النظام ينجح فقط إذا حدث بعد الإشارة شيء:
إشارة → سؤال → تحقق → قرار → متابعة.
إذا توقفت السلسلة عند «وصل التقرير»، فالمعلومة لم تتحول إلى حوكمة.
الدرس الأول: الاستقلالية ليست وصفاً في السيرة الذاتية
من السهل قياس الاستقلالية شكلياً.
هل العضو تنفيذي أم غير تنفيذي؟ هل توجد علاقة ملكية؟ هل تنطبق عليه متطلبات الاستقلال النظامية؟
لكن هناك نوعاً آخر أصعب قياساً:
الاستقلالية الفكرية
هل يستطيع العضو أن يقول:
«أنا لا أقتنع بهذه الإجابة.»
هل يستطيع أن يطلب رأياً مستقلاً؟
هل يستطيع أن يؤجل قراراً رغم حماس الإدارة؟
هل يستطيع أن يسأل سؤالاً يبدو «غير لطيف» في غرفة ممتلئة بالأشخاص المتفائلين؟
تحقيق Enron وجد علاقات مالية بين الشركة وبعض أعضاء المجلس أثارت تساؤلات حول استقلاليتهم واستعدادهم لتحدي الإدارة. (GovInfo)
وهذا يقود إلى قاعدة:
المجلس المستقل ليس المجلس الذي لا يعمل أعضاؤه لدى الشركة فقط؛ بل المجلس الذي لا يحتاج أعضاؤه إلى إذن نفسي من الإدارة لكي يعارضوها.
WorldCom: عندما لا يعرف المجلس بالاحتيال… لكنه يفشل رغم ذلك
WorldCom تقدم درساً مختلفاً، وربما أكثر عدلاً وتعقيداً من Enron.
التقرير الخاص بالتحقيق في الشركة يقول بوضوح إنه لم يجد دليلاً على أن أعضاء المجلس — باستثناء التنفيذيين المعنيين — كانوا على علم بالممارسات المحاسبية غير السليمة أثناء وقوعها.
أي أن القول:
«المجلس كان يعرف بالاحتيال»
لن يكون صحيحاً.
لكن التقرير نفسه خلص إلى أن انهيار WorldCom لم يكن احتيالاً مالياً فقط، بل فشلاً كبيراً في حوكمة الشركات.
لماذا؟
لأن المجلس لعب دوراً صغيراً أكثر مما ينبغي في حياة الشركة واتجاهها وثقافتها. ووصف التقرير مجلساً يبدو على الورق مستوفياً لكثير من قوائم الحوكمة، لكنه لم يظهر الطاقة والحكم والقيادة والشجاعة التي احتاجتها الشركة. (SEC)
هذه حالة بالغة الأهمية لأنها تفكك اعتقاداً شائعاً:
المجلس يفشل فقط إذا كان متواطئاً.
لا.
قد يفشل المجلس وهو حسن النية.
وقد يفشل وهو غير عالم بالاحتيال.
وقد يفشل لأنه بعيد أكثر مما ينبغي.
متى تتحول عبارة «نحن مجلس ولسنا إدارة» إلى عذر؟
صحيح أن المجلس لا يدير العمليات اليومية.
لكن هناك استخداماً سيئاً جداً لهذه القاعدة.
عندما تصبح:
«هذه تفاصيل تنفيذية.»
إجابة جاهزة لكل سؤال صعب.
WorldCom توضح الخط الفاصل.
وجد التحقيق أن لجنة التدقيق لم تنخرط بالقدر اللازم لفهم القضايا المالية في شركة كبيرة ومعقدة، وأن أعضاءها لم يكونوا في وضع يسمح لهم بممارسة حكم نقدي كافٍ على قضايا المحاسبة والتقارير واستراتيجية التدقيق غير التقليدية. كما انتقد لجنة التعويضات فيما يتعلق بالحوافز والقروض الضخمة للرئيس التنفيذي Bernard Ebbers، التي تجاوزت ضماناتها وقروضها 400 مليون دولار. (SEC)
إذن المجلس لا يحتاج أن يقوم بالمحاسبة.
لكنه يحتاج أن يفهم أين تكمن المخاطرة في المحاسبة.
ولا يحتاج إلى إدارة التعويضات اليومية.
لكنه يحتاج أن يسأل:
ما السلوك الذي تكافئه هذه الحوافز؟
الدرس الثاني: لا يكفي أن تعرف النتيجة… افهم ما الذي يصنعها
تخيل أن الإدارة تقدم إلى المجلس خمسة أرباع متتالية من تحقيق المستهدف.
يمكن أن يصفق المجلس.
لكن المجلس الجيد يطرح سؤالاً إضافياً:
كيف تحققت هذه النتيجة؟
هل الأرباح جاءت من:
- تحسن حقيقي في النشاط؟
- تغيير افتراض محاسبي؟
- تأخير نفقات؟
- رفع مديونية؟
- تأجيل سداد الموردين؟
- بيع أصل؟
- ضغط غير مستدام على العاملين؟
- مخاطرة ستظهر بعد سنتين؟
هذا السؤال يفصل بين:
إدارة الأداء وحوكمة الأداء.
الأولى تسأل:
هل حققنا الرقم؟
الثانية تسأل:
هل الطريقة التي حققنا بها الرقم سليمة ومستدامة ومتوافقة مع شهية المخاطر؟
الأزمة المالية 2008: عندما تصبح إدارة المخاطر تبريراً للمخاطر
إذا كانت Enron حالة شركة واحدة وWorldCom حالة أخرى، فإن الأزمة المالية العالمية تقدم مختبراً أكبر بكثير.
لجنة التحقيق في الأزمة المالية الأمريكية، بعد مراجعة ملايين الصفحات من الوثائق، وإجراء مقابلات مع أكثر من 700 شاهد، وعقد 19 يوماً من جلسات الاستماع العامة، خلصت إلى أن إخفاقات كبيرة في حوكمة الشركات وإدارة المخاطر لدى مؤسسات مالية ذات أهمية نظامية كانت سبباً رئيسياً في الأزمة. (GovInfo)
لكن الجملة الأكثر إثارة في تقريرها ربما ليست كلمة «حوكمة».
بل هذه الفكرة:
في حالات كثيرة أصبحت إدارة المخاطر تبريراً للمخاطر.
(GovInfo)
وهذه مشكلة لا تخص المصارف وحدها.
كل مؤسسة تستطيع بناء نظام Risk Management يبدو ممتازاً بينما يؤدي وظيفة معاكسة تماماً.
كيف؟
عندما يصبح مدير المخاطر مسؤولاً عن:
إيجاد طريقة تجعل الصفقة مقبولة،
بدلاً من:
تقييم ما إذا كان ينبغي قبولها أصلاً.
عندما تصبح النماذج الرقمية بديلاً عن الحكم.
عندما يستخدم الجميع عبارة:
«النموذج يقول إن الخطر منخفض.»
ولا يسأل أحد:
ماذا لو كانت فرضية النموذج خاطئة؟
ما الذي كانت الأزمة تعلمنا إياه عن المجالس؟
التقرير الرسمي أشار إلى مؤسسات تحملت مخاطرة كبيرة جداً، برأس مال قليل نسبياً واعتماد مرتفع على التمويل قصير الأجل، بينما شجعت أنظمة التعويض المكاسب السريعة دون وزن كافٍ للعواقب طويلة الأجل. (GovInfo)
وهنا يظهر خطأ حوكمي شائع:
فصل القرارات التي يجب أن تُقرأ معاً
لجنة التعويضات ترى المكافآت.
لجنة المخاطر ترى حدود المخاطرة.
لجنة التدقيق ترى التقارير.
المجلس يرى الاستراتيجية.
لكن المخاطرة الحقيقية قد تقع بين هذه اللجان.
مثلاً:
استراتيجية نمو عدوانية
- مكافآت مرتبطة بالإيراد
- تمويل قصير الأجل
- افتراض أن السيولة ستظل متاحة = مخاطرة واحدة متكاملة.
إذا نظر كل طرف إلى جزء، قد يبدو كل جزء معقولاً.
لكن الصورة الكاملة خطيرة.
ولهذا تؤكد مبادئ OECD الحديثة أن مسؤولية المجلس تشمل تحديد شهية المخاطر وثقافتها والإشراف على نظام إدارة المخاطر والضوابط الداخلية وربط ذلك بالاستراتيجية. (OECD)
الدرس الثالث: الخطر الأخطر هو الذي يبدو منطقياً في كل اجتماع منفرد
نادراً ما يقول المدير التنفيذي للمجلس:
«لدينا فكرة متهورة ستدمر الشركة.»
بل تأتي القرارات في صيغ منطقية:
السوق ينمو.
المنافسون يتحركون.
نحتاج حصة أكبر.
المخاطرة محسوبة.
الوكالات تصنف المنتج جيداً.
البيانات التاريخية مطمئنة.
إذا لم نتحرك سنفقد الفرصة.
كل جملة منفردة قد تبدو مقنعة.
لكن الحوكمة لا تختبر الجملة منفردة فقط.
بل تسأل:
ماذا يحدث إذا كانت ثلاث فرضيات في هذه القصة خاطئة في الوقت نفسه؟
هذا هو الفرق بين مجلس يراجع Presentation ومجلس يختبر Strategy.
Carillion: الشركة التي كانت الصورة الرسمية فيها أفضل من الواقع
في يناير 2018 دخلت شركة Carillion البريطانية في التصفية الإجبارية.
لكن التقرير المشترك للجان مجلس العموم البريطاني يرسم صورة مهمة:
لم تكن المشكلة مفاجأة خرجت من العدم.
كان نموذج العمل نفسه يزداد هشاشة: توسع، مديونية، التزامات تقاعدية، عقود معقدة، سياسات محاسبية عدوانية، وميل مستمر إلى تقديم صورة متفائلة. (publications.parliament.uk)
والمفارقة المقلقة أن الشركة استمرت في دفع وتوسيع توزيعات الأرباح حتى في فترات كانت فيها أوضاعها المالية أكثر هشاشة؛ وذكر التقرير أن الشركة دفعت في سنواتها الأخيرة توزيعات تفوق ما ولدته نقداً، رغم زيادة الاقتراض وضعف الاستثمار وتنامي عجز التقاعد. (publications.parliament.uk)
السؤال الحوكمي هنا ليس:
هل توزيع الأرباح قانوني؟
بل:
أي قصة عن صحة المؤسسة يرسلها هذا القرار؟ وهل تتطابق مع واقع النقد والمخاطر؟
عندما لا تتفق المؤشرات مع القصة
من أكثر الدروس التي يمكن أخذها من Carillion هو ضرورة البحث عن التناقضات.
الشركة تبدو ناجحة.
لكن الدين يرتفع.
التوزيعات مستقرة أو متزايدة.
لكن النقد ضعيف.
التقارير متفائلة.
لكن الموردين ينتظرون طويلاً.
هوامش بعض العقود تبدو جيدة.
لكن مراجعات داخلية تشير إلى خسائر.
وجد التحقيق مثلاً أن مراجعة داخلية لأحد العقود الكبرى أشارت إلى خسارة، لكن الإدارة تجاوزت ذلك التقييم وتمسكت بافتراض ربح أكثر تفاؤلاً في الحسابات. كما أشار إلى أن المشكلات التي ظهرت لاحقاً شملت عدداً كبيراً من العقود ولم تكن مشكلة عقد واحد ظهرت فجأة. (publications.parliament.uk)
هذه لحظة حوكمة نموذجية.
عندما يعطيك مؤشران قصتين مختلفتين، لا تختَر القصة التي تحبها.
حقق في التناقض.
الدرس الرابع: التشاؤم المنضبط خدمة للمؤسسة
في بيئة الأعمال، نكافئ التفاؤل.
القائد المتفائل يبدو أقوى.
المدير الذي يقول «سنحقق» يبدو أفضل من الذي يقول «هناك ثلاثة افتراضات تقلقني».
لكن مجلس الإدارة لا يمكن أن يؤدي وظيفته إذا تحول إلى امتداد نفسي لتفاؤل الإدارة.
التقرير البرلماني عن Carillion انتقد بشكل حاد ضعف التحدي من الأعضاء غير التنفيذيين، وخلص إلى أنهم لم يقدموا دليلاً مقنعاً على أثر رقابي فعال. (publications.parliament.uk)
هذا لا يعني أن وظيفة المجلس أن يكون متشائماً دائماً.
بل أن يكون:
متفائلاً بشأن المؤسسة، ومتشككاً في الافتراضات.
أربعة انهيارات… وسبعة أنماط تتكرر
عندما نضع Enron وWorldCom و2008 وCarillion جنباً إلى جنب، لا نحصل على قصة واحدة.
بعض الإدارات أخفت الحقائق.
بعض المجالس كانت تعرف أكثر.
بعضها لم يكن يعرف الاحتيال.
بعض المشكلات كانت محاسبية.
بعضها استراتيجية.
بعضها مخاطر مالية.
لكن تظهر سبعة أنماط يمكن أن نجد صوراً منها في مؤسسات أصغر بكثير.
1. الاستقلال الشكلي دون استقلال فكري
وجود أعضاء مستقلين لا يكفي إذا لم يوجد تحدٍ مستقل.
المقياس الحقيقي:
متى كانت آخر مرة غير فيها المجلس قرار الإدارة بعد نقاش جاد؟
إذا لم يحدث ذلك أبداً، فإما أن الإدارة لا تخطئ، أو أن شيئاً في العلاقة يحتاج مراجعة.
2. الإدارة تملك المعلومة… والمجلس يملك ما تختار الإدارة عرضه
هناك عدم تماثل طبيعي للمعلومات.
الإدارة تعيش داخل المؤسسة.
المجلس يراها على فترات.
لذلك المشكلة ليست أن المجلس لا يعرف كل شيء.
المشكلة عندما لا يبني قنوات معرفة مستقلة:
- Internal Audit.
- Risk.
- Compliance.
- External Audit.
- Whistleblowing.
- زيارات ميدانية.
- جلسات دون الإدارة التنفيذية عند الحاجة.
OECD تؤكد أهمية وصول وظائف الرقابة إلى المجلس ووجود قنوات آمنة وسرية للإبلاغ عن السلوك غير الأخلاقي دون خوف من الانتقام. (OECD)
3. كثرة المعلومات تخفي نقص المعرفة
يمكن أن يتلقى المجلس 300 صفحة ولا يعرف أهم ثلاثة أشياء.
المشكلة ليست دائماً نقص البيانات.
أحياناً المشكلة Information Overload.
السؤال الحوكمي:
ما المعلومات التي لو تغيرت يجب أن يتغير قرارنا؟
هذه هي المعلومات الجوهرية.
4. اللجان تتحول إلى جزر
لجنة التدقيق تقول:
نحن راجعنا المحاسبة.
لجنة المخاطر:
نحن راجعنا المخاطر.
لجنة المكافآت:
نحن راجعنا الحوافز.
ثم لا يسأل المجلس:
ماذا يحدث عندما نجمع الثلاثة؟
اللجنة تساعد المجلس.
لكنها لا تعفي المجلس من مسؤوليته النهائية. وهذا مبدأ صريح في إرشادات OECD. (OECD)
5. الحوافز تقول الحقيقة التي لا تقولها القيم
اسأل المؤسسة:
ماذا تكافئون؟
ليس:
ماذا كتبتم في القيم؟
إذا كان الموظف يكافأ على الإيراد فقط، لا تتفاجأ إذا تجاهل الهامش.
وإذا كان المدير يكافأ على النمو دون المخاطر، لا تتفاجأ إذا اشترى النمو بالمخاطرة.
وإذا كان الرئيس التنفيذي يكافأ على سعر السهم قصير الأجل، فالمؤسسة أرسلت إليه رسالة واضحة مهما كان ميثاق الأخلاق جميلاً.
6. التعقيد يتحول إلى حصانة من المساءلة
هناك نقطة يصبح فيها العمل معقداً لدرجة أن عضو المجلس يتوقف عن السؤال خوفاً من أن يبدو غير متخصص.
وهذا خطر.
عبارة مثل:
«هذا منتج مالي معقد.»
لا يجب أن تنهي النقاش.
بل تبدأ سؤالاً:
إذا لم نستطع تفسير مصدر الربح والمخاطرة بلغة يستطيع المجلس فهمها، فهل نفهمها بما يكفي لتحملها؟
7. الإشارة تصل… ولا يوجد مالك للتصعيد
الجميع رأى شيئاً.
لكن كل شخص افترض أن شخصاً آخر سيتصرف.
هذه هي منطقة الخطر بين:
«كنت أعلم»
و
«كنت مسؤولاً عن التصرف».
الحوكمة الجيدة لا تكتفي بقناة إبلاغ.
بل تحدد:
من يستلم؟ من يحقق؟ متى يُصعّد؟ من يتابع الإغلاق؟
متى تكون لجنة التدقيق موجودة… والرقابة غائبة؟
اختبر هذا المشهد:
يجتمع المجلس.
تقول لجنة التدقيق:
«لا توجد ملاحظات جوهرية.»
وينتقل الاجتماع.
لكن ماذا تعني «لا توجد ملاحظات جوهرية»؟
هل:
- لم توجد مخالفات؟
- أم لم يكتشفها التدقيق؟
- أم وُجدت لكنها غير Material وفق معيار مالي؟
- أم أنها تشغيلية وليست محاسبية؟
- أم أن الإدارة وافقت على خطة معالجة؟
- أم أن الملاحظة متكررة منذ ثلاث سنوات؟
عبارة واحدة يمكن أن تخفي ست حقائق مختلفة.
المجلس الفعال لا يطلب فقط:
قائمة الملاحظات.
بل يسأل عن:
- الملاحظات المتكررة.
- الملاحظات المتأخرة.
- القضايا التي اختلف فيها المدقق مع الإدارة.
- الاستثناءات.
- Near misses.
- المجالات التي لم يشملها التدقيق.
- مستوى استقلالية Internal Audit.
اثنتا عشرة إشارة إنذار مبكر
لا تعني أي واحدة منها وحدها أن المؤسسة مقبلة على أزمة.
لكن اجتماع عدد منها يستحق اهتماماً جاداً:
- الإدارة تقدم الأخبار الجيدة بالتفصيل والسيئة باختصار.
- التقارير تصل للمجلس قبل الاجتماع بوقت لا يسمح بقراءتها.
- المؤشرات المالية جيدة لكن التدفق النقدي يتدهور باستمرار.
- الاستثناءات من السياسات أصبحت ممارسة متكررة.
- لا توجد خلافات موثقة تقريباً في محاضر المجلس.
- مدير التدقيق أو المخاطر لا يجتمع منفرداً مع اللجنة المختصة.
- عدد بلاغات المخالفات صفر في مؤسسة كبيرة لسنوات.
- المكافآت ترتفع بينما الجودة أو النقد أو رضا العملاء يتراجع.
- الصفقات المعقدة تُقبل لأن «الخبراء أكدوا أنها سليمة».
- المشكلات الكبرى تظهر دائماً باعتبارها «مفاجأة».
- المخاطر توصف بالكلمات ولا ترتبط بحدود أو مؤشرات أو شهية مخاطر واضحة.
- المجلس يعرف النتائج أكثر مما يعرف الافتراضات التي أنتجتها.
هذه ليست قائمة لإدانة المؤسسة.
إنها قائمة لبدء Conversation لا Investigation.
الاختبار الأهم: كيف يتعامل المجلس مع الخبر الذي لا يريد سماعه؟
تخيل أن مديراً للمخاطر يدخل الاجتماع ويقول:
إذا استمررنا بهذه الخطة، أعتقد أن مخاطرتنا أعلى مما نتصور.
هناك ثلاثة أنواع من المجالس.
المجلس الأول يقول:
«الإدارة درست الموضوع.»
المجلس الثاني يقول:
«اشرح لنا أكثر.»
المجلس الثالث يقول:
«ما الفرضيات التي تجعلك تصل إلى هذه النتيجة؟ وما الدليل الذي إذا ظهر سيجعلك تغير رأيك؟ والآن نريد من الإدارة أن تجيب عن السؤال نفسه.»
الثالث لا يفترض أن مدير المخاطر صحيح.
ولا أن الإدارة مخطئة.
إنه يبني منافسة بين الفرضيات قبل أن تتحول إلى منافسة بين الروايات بعد الأزمة.
لا تسأل الإدارة فقط: هل الخطة ستنجح؟
اسأل:
ما الذي يجب أن يكون صحيحاً حتى تنجح؟
هذه من أكثر الأسئلة قوة في مجالس الإدارة.
لنفترض أن خطة النمو تفترض:
- استمرار التمويل بسعر معين.
- نمو السوق 12%.
- عدم فقدان مورد رئيسي.
- هامش ثابت.
- اكتمال مشروع تقني في موعده.
إذن المجلس لا يحتاج الانتظار حتى نهاية العام.
لقد حصل للتو على:
خمسة Early Warning Indicators.
إذا بدأت الفرضيات تتهاوى، يجب أن يتغير القرار قبل أن يظهر الفشل في قائمة الدخل.
اثنا عشر سؤالاً يجب أن يستطيع كل مجلس الإجابة عنها
1.
ما أهم ثلاثة مخاطر يمكن أن تفشل الاستراتيجية الحالية؟
2.
ما الافتراضات التي تعتمد عليها خطتنا ولا نملك السيطرة عليها؟
3.
متى كانت آخر مرة عدلنا فيها قراراً بسبب اعتراض عضو مجلس أو لجنة؟
4.
ما المعلومات التي تصل إلى الإدارة ولا تصل إلى المجلس حالياً؟
5.
هل يستطيع مدير التدقيق والمخاطر والامتثال الوصول إلى المجلس دون المرور بالرئيس التنفيذي؟
6.
ما الملاحظة الرقابية الأقدم التي لم تُغلق بعد؟ ولماذا؟
7.
هل الحوافز الحالية تكافئ السلوك الذي نريد فعلاً؟
8.
ما الاستثناءات التي نوافق عليها باستمرار حتى أصبحت سياسة غير مكتوبة؟
9.
أين يمكن للإدارة أن تكون متفائلة أكثر من اللازم في أرقامها؟
10.
ما القرار الذي إذا كان خاطئاً يمكن أن يهدد المؤسسة، وليس فقط ميزانيتها؟
11.
كيف نعرف أن الموظف الذي يرى مشكلة يستطيع إيصالها بأمان؟
12.
ما الشيء الذي لو ظهر غداً سنقول عنه:
«كانت العلامات موجودة… ولكننا لم نربطها ببعضها»؟
السؤال الأخير يستحق أن يُطرح مرة كل عام على الأقل.
المجلس ليس مكاناً للحصول على الطمأنينة
هناك خطأ ثقافي في بعض المؤسسات:
يُنظر إلى اجتماع المجلس الناجح باعتباره الاجتماع الذي:
- انتهى في الوقت.
- لم تحدث فيه خلافات.
- أُقرت فيه جميع البنود.
- غادر الجميع مرتاحين.
لكن قد يكون الاجتماع الأكثر قيمة هو الاجتماع الذي خرج منه الجميع أقل راحة وأكثر وضوحاً.
لأن سؤالاً جيداً كشف افتراضاً لم نلاحظه.
أو لأن قراراً أُجّل حتى تتوافر معلومة.
أو لأن لجنة رفضت تفسيراً غير مقنع.
أو لأن عضواً واحداً قال:
«أنا مختلف مع الاتجاه العام، وهذه أسبابي.»
الاحتكاك الفكري المنضبط ليس علامة خلل في الحوكمة.
بل قد يكون دليلاً على أنها تعمل.
الحوكمة ليست منع الفشل
حتى أفضل مجلس إدارة لا يستطيع منع كل أزمة.
الأسواق تتغير.
التكنولوجيا تفاجئ.
القرارات تحمل مخاطرة.
والإدارة قد تخدع المجلس أحياناً رغم وجود ضوابط قوية.
لذلك لا يجب تقييم المجلس بعد الأزمة بسؤال ساذج:
هل حدثت مشكلة؟
بل بأسئلة أصعب:
هل كان الخطر معقولاً في وقت القرار؟
هل حصل المجلس على المعلومات اللازمة؟
هل اختبر الافتراضات؟
هل تعارضت مصالح أحد؟
هل ظهرت إشارات لاحقة؟
وهل عدل المجلس مساره عندما تغيرت المعلومات؟
هذه هي عدالة الحكم على الحوكمة.
من Enron إلى Carillion: العبرة ليست في أسماء الشركات
قد يقول مدير مؤسسة متوسطة:
هذه شركات عملاقة. نحن مختلفون.
نعم، الحجم مختلف.
والأسواق مختلفة.
والتعقيد مختلف.
لكن الأنماط البشرية والمؤسسية متشابهة:
الرئيس التنفيذي القوي.
الأرقام المطمئنة.
الخوف من إزعاج الناجحين.
الاعتماد المفرط على خبير خارجي.
التفاؤل.
الحوافز.
تجزئة المعلومات.
التدرج البطيء للمخاطرة.
ثم اللحظة التي يصبح فيها تصحيح المسار مكلفاً جداً.
لذلك لا تحتاج المؤسسة إلى أن تكون Enron حتى تستفيد من Enron.
يكفي أن تسأل:
أين يمكن أن يكون لدينا اليوم إصدار أصغر من المشكلة نفسها؟
الخلاصة: الأزمة تبدأ عندما نتوقف عن السؤال
Enron تعلمنا أن المجلس قد يملك الإشارات ويعجز عن تحويلها إلى مواجهة.
WorldCom تعلمنا أن المجلس يمكن أن يفشل حتى عندما لا يعرف بالاحتيال، إذا كان دوره في المؤسسة ضعيفاً أكثر مما ينبغي.
الأزمة المالية تعلمنا أن وظيفة إدارة المخاطر قد تنحرف من تحدي المخاطر إلى تبريرها.
Carillion تعلمنا أن المؤسسة قد تستمر في إنتاج صورة نجاح بينما تتراكم تحتها مؤشرات لا تنسجم مع القصة الرسمية. (GovInfo)
والجامع بينها ليس أن كل مجلس كان سيئ النية.
بل شيء أكثر فائدة لنا:
الحوكمة تفشل عندما تنقطع المسافة بين الإشارة والسؤال، أو بين السؤال والتحقق، أو بين التحقق والقرار.
المجلس الجيد لا يعرف المستقبل.
ولا يمنع كل خطأ.
ولا يدير المؤسسة بدلاً عن الإدارة.
لكنه يبني مؤسسة يصعب فيها على الحقيقة غير المريحة أن تضيع.
وهذا ربما يكون أفضل تعريف عملي لفاعلية مجلس الإدارة:
أن تصل الإشارة إلى المكان الصحيح… في الوقت الذي ما زال فيه تغيير المسار ممكناً.
الخلاصة التنفيذية
وجود مجلس ولجان لا يعني وجود رقابة فعالة.
استقلالية العضو الحقيقية تظهر عندما يحتاج إلى تحدي الإدارة، لا عندما نراجع سيرته الذاتية.
المجلس لا يحتاج إلى كل البيانات؛ يحتاج إلى المعلومات التي يمكن أن تغير القرار.
الحوافز جزء من نظام المخاطر، وليست موضوعاً منفصلاً عنه.
الخبر السيئ الذي يصل مبكراً أصل مؤسسي، لا تهديداً يجب إسكات صاحبه.
اللجان تساعد المجلس لكنها لا تنقل عنها مسؤوليته النهائية.
المجلس الفعال لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ بل: ما الافتراض الذي لو تغيّر يجب أن نغير قرارنا؟
أخطر الأزمات هي التي كانت إشاراتها موجودة، لكن أحداً لم يجمعها في قصة واحدة.
المراجع والمصادر
United States Senate, Permanent Subcommittee on Investigations, Committee on Governmental Affairs. (2002). The Role of the Board of Directors in Enron’s Collapse. S. Prt. 107-70. U.S. Government Printing Office. الرابط الرسمي
WorldCom, Inc., Special Investigative Committee of the Board of Directors. (2003). Report of Investigation. March 31, 2003. Filed with the U.S. Securities and Exchange Commission as Exhibit 99.1. الرابط الرسمي
Financial Crisis Inquiry Commission. (2011). The Financial Crisis Inquiry Report: Final Report of the National Commission on the Causes of the Financial and Economic Crisis in the United States. U.S. Government Printing Office. الرابط الرسمي
House of Commons, Business, Energy and Industrial Strategy and Work and Pensions Committees. (2018). Carillion. HC 769. Published 16 May 2018. الرابط الرسمي
OECD. (2023). G20/OECD Principles of Corporate Governance 2023. OECD Publishing, Paris. الرابط الرسمي